من الشوارع إلى مواقع البناء.. ترحيل العمال الأفغان يخلق أزمة في طهران
من الشوارع إلى مواقع البناء.. ترحيل العمال الأفغان يخلق أزمة في طهران
تصاعدت شكاوى سكان طهران خلال الأسابيع الأخيرة من تراجع واضح في مستوى النظافة العامة وتراكم النفايات في شوارع وأزقة العاصمة، وأقر مدير منظمة إدارة النفايات في بلدية طهران بنقص حاد في عمال النظافة، وبيّنت تقارير محلية أن البلدية أطلقت دعوة لاستقطاب 16 ألف عامل لتعويض النقص، في محاولة طارئة لوقف التدهور البصري والبيئي في المدينة.
السبب المباشر للأزمة ليس اقتصادياً محضاً بل قرار حكومي وأمني أدى إلى خروج أعداد كبيرة من المهاجرين الأفغان الذين كانوا يشكلون طوق نجاة للوظائف اليدوية في المدن الإيرانية، وقد وصف عضو مجلس مدينة طهران انخفاضاً يصل إلى ثمانين بالمئة في قوة بعض فرق النظافة بعد عمليات الترحيل.
وأشار إلى حالات شركات تعاقدية فقدت معظم عمالها خلال أيام. هذا الفراغ العمّالي خلق فجوة لا يغطيها العرض المحلي الفوري، لأن كثيراً من الإيرانيين يرفضون شغل وظائف قاسية بأجور منخفضة، وفق موقع "خبر آونلاین".
ضغط على الأموال والرواتب
تحاول بلدية طهران التكيّف عبر رفع الأجر وتحسين الحوافز لجذب اليد العاملة الإيرانية إلى أعمال النظافة والحدائق. تقارير محلية تشير إلى أن رواتب بعض العمال التي تُعرض حالياً تصل إلى نحو عشرين إلى 22 مليون تومان مع تأمينات، في حين يبقى الحد الأدنى للأجور الرسمية بعيداً عن تكلفة معيشة الأسر التي قفزت سريعاً خلال العام الأخير، هذا الفارق بين راتب العمل اليدوي وتكاليف المعيشة يجعل التحول السريع للعملية التوظيفية أمراً مكلفاً ومرهقاً للموازنة البلدية والتعاقدات القائمة بحسب موقع "إیسنا".
وأثر النقص العمّالي لم يقتصر على تنظيف الشوارع فقط، فقطاع البناء الذي اعتمد لسنوات على عمال أفغان في أعمال البناء والحدادة والنجارة شهد تباطؤاً وتأخراً في مشاريع عدة، مع ارتفاع تكاليف استبدال اليد العاملة، وأبلغ اتحاد المطورين عن توقف مشاريع أو إرجائها جزئياً نتيجة ندرة العمالة الرخيصة وقلة الراغبين من الإيرانيين في العمل بنفس الشروط، هذا الاضطراب يفاقم الضغوط التضخمية على أسعار العقار وتكاليف التنفيذ، وفق "فاينانشال تايمز".
خلف هذا المشهد المحلي أزمة إنسانية إقليمية واسعة. منظمات دولية سجلت أعداداً ضخمة من العائدين أو المطرودين إلى أفغانستان خلال الأشهر الأخيرة، إذ وثّقت المنظمات الدولية مئات الآلاف من حالات العودة القسرية في عام 2025 وحده، ما دفع منظومة المساعدة الإنسانية إلى تحذيرات بسبب الضغط على الحدود والاقتصادين الإيراني والأفغاني معاً، وتظهر الأرقام الرسمية وغير الرسمية المتداولة لدى "IOM" و"UNHCR" نطاقاً واسعاً لحركة السكان أثر بدوره على أسواق العمل المحلية في المدن الإيرانية مثل طهران.
الأبعاد الحقوقية والقانونية
الترحيل الجماعي يثير قلقاً حقوقياً حاداً، وقد طالبت منظمات حقوقية دولية بوقف الإعادة القسرية وذكرت خطر انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي ترتكز عليه قوانين الحماية الدولية، فيما أكدت تقارير أممية أن عمليات الترحيل طالت أشخاصاً يحملون أوراق إقامة أُبطلت أو لم يُمنح أصحابها فرص الدفاع عن وضعهم.
وتعد إيران طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 بحسب سجلات الأمم المتحدة، ما يجعل عليها التزامات قانونية بحماية الأشخاص المعرضين للملاحقة أو الأذى في بلدهم.
وفق موقع "اعتماد أونلاين" فإن الاستنزاف المفاجئ لليد العاملة الأجنبية يترك أثرين متلازمين: أولاً، تدهور الخدمات العامة اليومية التي تؤثر بصورة مباشرة على صحة وراحة ملايين السكان، وثانياً، صدمة للاقتصاد غير الرسمي وارتفاع الأجور الفجائي الذي ينعكس على أسعار السلع والخدمات.
وبحسب خبراء فإنه في وجود بيئة تضخمية وحيث ترتفع كلفة السلة الغذائية والسكنية بسرعة، فإن أي زيادة في رواتب قطاع الخدمات ستنتقل بسرعة إلى المستهلك وتضغط على القدرة الشرائية للطبقات الضعيفة والمتوسطة.
ماذا ينبغي أن يكون واجب السياسات؟
التعامل مع هذه الأزمة يتطلب حزمة متوازنة تجمع بين إنساني وسياسي واقتصادي، وفتح قنوات تسجيل وحماية قانونية للعاملين الأجانب المنتظمين، وبرامج تدريب وتشغيل للعمال الإيرانيين مع حوافز مالية واستثمار في الميكنة الجزئية لخدمات النظافة، وخطط انتقالية لمسؤولي البلديات لمنع انهيار الخدمة أثناء الفترات الاحتفالية أو المواسم، وعلى المستوى الدولي؛ فالمطلوب تمويل طارئ لدعم عودة آمنة ومدمجة للعائدين إلى أفغانستان وتعاون إقليمي لتخفيف صدمات السوق وفق وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة العمل الدولية.
الأزمة في طهران ليست مجرد مشكلة لهيئة خدمات، بل اختبار لسياسات دولة ووعي مجتمع، حيث يعيد نظام الهجرة أو ترحيل ملايين البشر على وقع أزمة سياسية تشكيل اقتصادات المدن، ويؤثر على حياة أبسط الناس. الحل لا يكمُن في إدارة ظرفية بل في سياسات تحترم حقوق العاملين، تتعامل بواقعية مع سوق العمل، وتحسن من شبكات الحماية الاجتماعية كي لا يتحول نقص اليد العاملة إلى أزمة صحية وبيئية واجتماعية لا تُمحى بسرعة.
يذكر أن إيران شهدت حملة ترحيل واسعة للأفغان تصاعدت في 2025 بعد توترات سياسية وأمنية، ما أدّى إلى خروج مئات الآلاف من العاملين الذين كانوا يشغلون وظائف يدوية وخدماتية في المدن الإيرانية ومنها طهران، ووثقت منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية تسجيل مئات الآلاف وحتى مجموعات مليونية من العائدين خلال أشهر قليلة، وحذّرت من أزمة إنسانية على الحدود وأخطار انتهاك مبادئ الحماية الدولية، كما أن الاعتماد طويل الأمد على اليد العاملة الأجنبية في قطاعات قاسيَة جعل استبدالها بمواطنين محليين عملية مكلفة وبطيئة، في حين أن ارتفاع كلفة المعيشة مقارنة بالأجور الرسمية يزيد من صعوبة الاستجابة السريعة، وفق منظمة العفو الدولية.